انتكاسة
ما الذي أعادني إلى هنا؟ كيف عدت رغم النجاحات الصغيرة اللي عشت فيها الايام الي فاتت؟ كنت أظن أن المسافة التي صنعتها كافية، لكنني وجدت نفسي حيث كنت، حيث الحنين الذي لا يخبو، حيث اللهفة التي لا تموت، حيث الوهم الذي صنعته بيدي، وظللت أختبئ داخله كأنه ملاذي الأخير
كان يكفي أن يرد، أن يسرد التفاصيل التي لم تعني له شيئًا، لكنها أخذتني معه حيث لا أملك التراجع.
كلما استرسل في الحديث، كلما ترك لحروفه أن تسير بلا قيود، كنت أغرق أكثر، و أتشبث بها كأنها الحقيقة الوحيدة في عالمي
بالأمس، كنتُ هناك، حيث لم يكن يجب أن أكون، حيث الأسئلة التي لم أتمكن من كتمانها، حيث الرغبة في البقاء ولو بحيلة، حيث أمد اللحظة ما استطعت، حيث أجدني أبحث عن طريق لبقاءه، رغم أنني أعرف أنني وحدي في هذا الطريق
أدركت منذ البداية أنه لا يسأل، أنه لا يبحث، أنه لا يرى في حديثي عالم يستحق الاكتشاف، كان يُنصت، نعم، لكنه لم يكن يومًا مهتمًا بأن يعيد السؤال. ومع ذلك، استمررت.. كأنني أرجو منه اهتمامًا لا يجيء
كنت أقرأ ردوده كما يقرأ التائه اسم مدينته على آخر اللافتات، كنت أرتب حروفه، أقيس المسافات بين الكلمات، علني أجد في الفراغ ما لم ينطقه
ثم حل الصمت…
توقف كل شيء، وانتابني ذلك الشعور المألوف، الشعور الذي يخبرني أن هذا هو آخر ما سأحصل عليه منه اليوم، أن هذا آخرالردود، وأنني سأبقى أحدق في شاشة صامتة، أبحثُ في سطور جامدة عن شيء لم يوجد يوما.
لكنني لم أقبل. لم أتحمل فكرة أن تنتهي الليلة بهذه السرعة، أن يكون هذا كل ما تبقى لي منه، أرسلت رسالة أخرى، ملهوفة، متشبثة بما لا يمسك، تحاول أن تعيد الضوء بعد انطفائه، لكن الرسالة بقيت كما هي، جامدة
وغرقت..
غرقت في بحر صنعته بيدي، غرقت في ندم يلتف حولي، غرقت في أسئلة لا إجابة لها، لماذا لم أكتفي؟ لماذا لم أرضى بما كان؟ لم قامرت بقلبي وانا اعلم اني خاسرة؟ لماذا كنت أبحث عن دفء في جدران من جليد؟
لكن الإجابة تظل معلقة، كما تظل رسالتي الملهوفة، بلا رد…
ثم، كحيلة أخيرة، خليت المحادثة ميوت، كأنني بذلك أملك زمام الأمور. أقنعت نفسي أنني لن أراقب، لكنني كنت أعود، أشيك كل مرة، أبحث عن كسر للصمت، عن إشارة، عن احتمال ولو ضئيل أنه هناك…
