نصيحة أخوية
في مساء السبت ضعفت... لا، لم يكن ضعفًا، بل كان استسلامًا لرغبة عارمة في سماع صوته، طلبت منه أن يتصل بي للمرة الأولى منذ عرفنا بعضنا، وكأنه كان يعلم مقدار شوقي لأن يملأ صوته هدوء منزلي، جاء الاتصال بعد ثواني، وكأنه كان ينتظرني كما كنت أنتظره
كانت ليلة دافئة، لم تكن المكالمة طويلة، لكنها حملت ما يكفي لإثارة دوامة من المشاعر فيّ، كنا نضحك، نتحدث، نتمازح، حتى قال لي وسط حديثه (هذي نصيحة أخوية)
أحسست بشيء يتوقف في داخلي، كل نبضة في قلبي انتفضت وكل خلية في جسدي رفضت الكلمة، لم يكن علي التفكير، كان الشعور حاضرًا، واضحًا، صاخبًا: "لا تقول كذا! انت مو أخوي وما راح اشوفك كأخ أبدًا، لا تحطني في مكان انا ما كنت ولا راح اصير فيه"
شعرت أن جسدي كله يرفض، كأنها كلمة مسمومة، كأنها صفعة على روحي، كأنها شيء لا ينتمي إلينا.
واشتعلت حرب داخلي، بين صوتٍ يصرخ في رأسي (أخبريه! لا تتركيها تمر، لا تجعليها تترسخ في ذهنه، لا تسمحي لها أن تصبح اسم العلاقة!) وبين صوت آخر أكثر هدوء وحذر، يخبرني أن أتجاهل، أن لا أعطي الكلمة أكبر من حجمها، أن أعتبرها عفوية، بلا معنى، بلا قصد، بلا دلالة
وفي النهاية، انتصر الصوت الثاني، لكن الأول ظل هناك... يهمس، يذكر، يرفض أن يهدأ
ضحكت، تجاهلت ومر الأمر كأنه لم يقال، كأن شيئًا لم يحدث…
لكنه حدث
بعد المكالمة، وكما لاحظت في الأيام الأخيرة، انني كلما تواصلت معه اشتدت رغبتي في المزيد، وكأن صوته يوقظ في جوعًا لاينطفئ، فكنت أرسل رسالة واحدة، أجس النبض وأراقب، متى سيرد؟ ماذا سيقول؟ هل سيتجاهل؟ هل سيبادر؟ وحين يرد أجد نفسي في حيرة جديدة، كيف أرد أنا عليه؟
لكن الغريب هذه المرة، أن الأمر لم يكن بذات الحدة و الاضطراب، لم أكن أمسك جوالي كل لحظة، لم أكن أترقب إشعارًا بلهفة قاتلة، لم أكن أراقب الوقت وأحصي الدقائق. وكأن شيئًا قد تغير، جزءًا صغيرًا تحرر دون أن أشعر
وربما، فقط ربما، كانت تلك الكلمة " نصيحة أخوية" هي ما زعزعت يقيني القديم بأنه يراني كما أراه، هل يراني حقًا كأخت؟ لا مستحيل، هل وضعني في تلك المنطقة الرمادية التي لا خروج منها؟ هل كان رفضًا ناعمًا؟ هل كان طريقته في إبعادي دون أن يشعر؟ أم أنها كلمة عابرة، لا تحمل في باطنها ما ظننته؟
لم أشعر بالحزن اثناء غرقي بهذه الافكار، شعرت بخيبة الأمل، لكنها لم تؤلمني، شعرت بالصدمة والضياع، لكني لم أفزع. احسست كأنني كنت أتمسك بشيء أظنه صلب، ثم اكتشفت أنه ماء يتسرب من بين أصابعي مهما حاولت الإمساك به
ومع ذلك، لم أقرر التراجع، لم أفكر في الرحيل، لم أشعر أنني أريد ذلك حتى
ثم جاء الرابع من فبراير، اليوم الذي منحته لقلبي كإذن للتواصل بدون احساس بالذنب، اتصلت عليه، كان غارقًا في العمل، ومع ذلك، رد
تحدثنا قليلًا، ثم أخبرني أنه بحاجة للعمل، لكنه لم يطلب مني إنهاء المكالمة، ولم ينهيها هو أيضًا.
جلس يعمل ويتحدث إلى نفسه، يفكر بصوت عالي، يلعن الأخطاء، يشتم العمل، يشرح أمورًا لم أفهمها، كنت هناك مستمتعة جدًا، أبتسم، أضحك حين يغضب، أمازحه وهو غارق في عالمه، كنت أشعر وكأنني قريبة رغم انشغاله
لكن لم؟ لم كنت مستمتعة؟ من سيستمتع بشيء كهذا؟
لو كان أي شخص آخر لكنت أنهيت المكالمة مباشرة، لكنت تركته يعمل وحده، لكن معه، الأمر كله مختلف. كان صوته كافيًا وكان وجودي على الطرف الآخر كافيًا ، لم أشعر بحاجة إلى اهتمامه الكامل، لم أكن بحاجة لأن يتحدث إلي مباشرة، كنت فقط أريده، كما هو، في عالمه، مشغول، وأنا بجواره
بعد المكالمة أدركت أن شيئًا ما تغير، لم أشعر برغبة في التواصل بعدها
لم أشعر بالحزن حين توقف حديثنا، لم أعد أشعر بالقلق حين يبتعد، لم أعد أراقب الرسائل بانتظار رده، باستثناء الرابع من فبراير، اليوم الذي قررت مسبقًا أن يكون موعدًا للحديث
وربما، هذا ما علي فعله
أن أختار اللحظات، أن أقرر مسبقًا، أن أتحكم أنا بدلاً من أن أسمح لمشاعري أن تقودني حيث تشاء. المكالمة القادمة ستكون بعد تسعة أيام، في الثالث عشر من فبراير، قبل عيد الحب، لأمنح نفسي جرعة تكفيني، لأسبق قلبي قبل أن يسبقني
لأكون أنا من يضع الحدود، أنا من يقرر متى أقترب، ومتى أكتفي
